عولمة الثّقافة و الإعلام و معركة الهويّة
بقلم : محمد رضا سويسي
تصدير : ” لقد كنت أعلم أن الذئب يتلذذ دائما وهو يأكل لحم الخروف لكني ما علمت قط أن الخروف يمكن أن يتلذذ وهو يؤكل من الذئب” - قول مأثور-
العولمة كمفهوم أو مصطلح حصل معه ما حصل تقريبا مع “الحداثة” حيث أنّك تجده على كل لسان تقريبا لكن لايكاد يضبط له مدلول واضح متضح متفق عليه ويعود الاختلاف إما لضبابية قائمة في ذهن المتحدث أو إلى اختلاف المنطلقات و الأسس التي في الغالب أيديولوجية.
من الأسباب الأخرى لهذا التدخل وهذه الضبابية وجود مفهوم “العولمة” وسط غابة من المفاهيم الحواف أو التي تتقاطع معه أو التي تتمثل بشكل من الأشكال أحد مكونات ظاهرة العولمة . إذ نجد أنفسنا ونحن بصدد الحديث عن هذا المفهوم أمام مصطلحات مثل العالمية الأممية – الفرية الكونية- النظام العالمي الجديد- الحداثة ما بعد الحداثة. الأمركة ) نسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
إن الدخول إلى هذه الغابة عملية محفوفة بالكثير من المخاطر المعرفية ويلزمه التحلي بالكثير من الجرأة وروح المغامرة الفكرية. وأن نكون في نفس الوقت مستعدّين لتوخي قدر كبير من المرونة و” الروح الرياضية” في اختيار الكثير من المعطيات التي كانت تعتبر من الثوابت بل من البديهيات كالقيم ومسألة الهوية الخ…
لقد زعزت العولمة ألب الثوابت حواجز مستعصية ومتتابعة لا نكاد نتخطى منها واحدا حتى نجد أنفسنا في مواجهة آخر متحفزا لهز دواخلنا غذ استطاعت هذه العولمة أن تتجاوز بنا في محاولة فهم كنهها – مستوى الحيرة العلمية إلى الحيرة الوجودية نفسها.
ومما يزيد مفهوم العولمة تعقيدا هو شمولية فالعولمة في آن واحد عولمة الثقافة و العلام والاقتصاد والسياسة والمجتمع والأمن الخ … فإلى أي حد يكون الفصل بين هذه العناصر ولو للضرورة المنهجية مساعدا على تفكيك الظاهرة والنفاذ إلى جوهرها أم إن العناصر ولو للضرورة المنهجية مساعدا على تفكيك الظاهرة والنفاذ إلى جوهرها أم إن فهمها الصحيح لا يمكن أن يكون إلا بأخذها في شموليتها وبتناولها بجميع أركانها في آن واحد.
فهل نستطيع أن نفصل مثلا الثقافي والإعلامي عن الاقتصادي بعد أن نستبدل مصطلح “الإبداع”ب الإنتاج (مصطلح يغلب عليه الطابع الكمي / الاقتصادي) ومفهوم نشر الثقافة بالترويج بما يعنيه هذا الأخير من دلالة تجارية.
وكذلك الأمر بالنسبة للإعلام الذي أصبح بيد شركات تجارية محكومة بقانون الربح بل أن ملكية هذا القطاع في العالم تتركز شيئا فشيئا بيد عدد يزداد ضآلة من الشركات المتعددة الجنسيات في حين يزداد دور الدولة تقلصا في هذا المجال بقدر ازدياد عجزها عن مراقبة حدودها ليس أمام المنتوج الإعلامي فقط بل أيضا أمام السلع والمواد الاستهلاكية.
وهذا الحديث يجرّنا بدوره إلى الربط مع “السياسي ” بالتساؤل عن مدى إبقاء ظاهرة العولمة على سيادة الدولة التي كانت معطى سياسيا مقدسا في العلاقات الدولية ثم ما هو مدى استعداد الدولة للتخلي طوعا عن سيادتها لفائدة رأس المال العابر للقارات الذي يبدو أنّه مستعينا بالتطور التقني خاصة في مجال الاتصال و المعلومات والمعاملات – أصبح سيد الموقف في العلاقات الدولية المعلومة.
وفي هذا الإطار أيضا يطرح سؤال ز ما مصير الدول والشعوب التي لا تقبل الانخراط والانصهار في هذه المنظومة الجديدة التي لم تكتمل ملامحها بعد والتي يبدو أن الانخراط فيها مغامرة محفوفة بمخاطر لا تختلف في وطأتها عن مخاطر رفضها والتمسك بالسيادة ألم تكن يوغسلافيا سنة 1999 والعراق منذ العدوان الثلاثيني سنة 1991 إلى احتلال بغداد سنة 2003 مرورا بسنوات الحصار نماذج ملموسة لهذا الاختيار؟
هذه بعض الإشكاليات العامة التي تطرحها العولمة مع أن تخصيص العمل على مسألة العولمة في الحقلين الثقافي والإعلامي سوف يضعفها أمام إشكاليات أخرى أكثر تخصيصا على ان نتناول المسألة في هذا البحث المتواضع سيتركز على أربع عناصر رئيسية هي :
1- مفهوم العولمة.
2- آليات اشتغال العولمة في المجال الثقافي والإعلامي.
3- عولمة الثقافة والإعلام ومعركة الهوية.
4- ما العمل؟
I – في مفهوم العولمة.
يثير الحديث عن مفهوم العولمة عدة تساؤلات عن مدى جدة وقدم الظاهرة والمفهوم وعن ارتباطها بالسياق العام للتطوّر التاريخي البشري.
- فهل العولمة ظاهرة أفرزتها حتمية تاريخية معينة وهو بالتالي ظاهرة موضوعية معزولة عن إرادة الأفراد والمجتمعات والدول وأن عملية توجيهها في هذا الاتجاه أو ذلك إنما هو محكوم بالظرفية الدولية وميزان القوى إنّما أوجدتها لتحقيق حملة من الأهداف و الإستراتيجيات الخاصة بها ؟
- هل نفهم العولمة في إطار نظرية” التآمر” فنذهب إلى أنّنا نحن العرب والمسلمين بصفة عامة المستهدفين من هذه الظاهرة بشكل رئيسي خاصة وأن لهذا الاستهداف ما يبرّره اقتصاديا وإستراتيجيا وحضريا.
- هل نتوخّى المذهب القائل بأن العولمة هي رديف الأمركة ونقر بأنّها بذلك تمثّل التصوّر الأمريكي لمستقبل البشرية والذي يعتبر كتاب ” نهاية التاريخ وخاتم البشر” لفرنسيس فوكوياما أحد أسسه الفكرية؟ وإذا كان الأمر كذلك هل يصبح من المغالاة أن يعتبر العرب في إطار نظرية التآمر المذكورة – (أنّ العولمة إنّما هي الاسم الحركي للأمركة وان كلمة التستر فيها هي “الصهينة” ( نسبة إلى الصهيونية العالمية بلوبياتها العالمية وأدواتها المالية و الإعلامية ).
- ثم ألا يكون غموض وضبابية مفهوم العولمة وتوسيع مجال الاشتغال؟ هذه العولمة وتوسيع مجال الاشتغال؟
- هي بالتأكيد استفهامات بحاجة إلى تمحيص وتدقيق يتجاوز حدود هذه المداخلة إلا أنه يمكن صياغة بعض التصوّرات لمفهوم العولمة . وننطلق في ذلك من التصور الأمريكي الذي يعتبر أن التحوّلات التي شهدها العالم في المجالات الاقتصادية بـانتصار النموذج الرأسمالي وإنفراده بالعالم والتكنولوجية ثورة المعلومات والثقافة هيمنة الثقافة و الإعلام الأمريكيين قد صنعا نوعا من الإيمان بـأنّ الإنسان واحد في عالم واحد يقوده نموذج واحد للثقافة التي هي الثقافة الأمريكية والعولمة بهذا المفهوم تصبح رديفة للأمركة.
- ويجد هذا التعريف مبرراته الفكرية والأيديولوجية في نظرية نهاية التاريخ التي صاغها الياباني/ الأمريكي فرنسيس فوكوياما في مقال بعنوان هل هي نهاية التاريخ ثم نشر في شكل كتاب عنوانه ” نهاية التاريخ وخاتم بشر”.
ويورد محمّد شومان في مقال بعنوان ” عولمة الإعلام” وستقبل النظام الإعلامي العربي نشره في مجلة عالم الفكر التي تصدر بالكويت “عدد أكتوبر/ ديسمبر 1999 في إطار حملة من التعريفات مفهوم ” أصحاب ما بعد الحداثة ” على لسان أحد روادهم أنطوني جيدنجز الذي يعتبر أن “العولمة هي توسيع الحداثة من نطاق العالم” و إنها تكثيف للعلاقات الاجتماعية على مستوى العالم بطرق تجعل الأحداث المحلية تتشكل بفعل الأحداث المحلّية تتشكل بفعل الأحداث التي تقع على مسافة بعيدة والعكس صحيح.
كما صدرت عن بعض المفكرين والمثقفين العرب بعض المحاولات الحذرة لتحديد مفهوم العولمة وربطه بالسياق التاريخي لبروزه فالدكتور برهان غليون يعرّف العولمة بكونها “ثمرة لقاء وتطوّرات الثورة المعلوماتيّة وإستراتيجية جديدة لقوى رأس المال العالمي”. ويمهد لهذا التعريف بإبراز ” وجود عنصر ذاتي في ظهور العولمة يكمن في سعي القوى المسيطرة على العالم وهي القوى الصناعية والشركات الكبرى إلى استغلال التقدم التكنولوجي من أجل توسيع دائرة نفوذها و “أنّ هذه القوى تعتمد إستراتيجية قوامها. والقول لبرهان غليون “ إن آليات السيطرة لن تتحقق إلا في إطار سياسة لبرالية ولبرالية جديدة تفترض جعل السوق مركز التفكير في تنظيم العالم أي خلق سوق عالمية موحدة وهذا ما أسميه العولمة اللبرالية أو العولمة الرأسمالية ” أنها تعتبر عن استراتيجيات القوى المتحكمة في السوق”.
ولئن دخل د. برهان غليون في تعريفه لمفهوم العولمة من المدخل الاقتصادي فإن د. عبد الا لاه بلقزيز حاول الولوج من البوابة الاجتماعية الثقافية حيث يتلازم عنده معنى العولمة في مضمار الإنتاج والتبادل الرمزي مع معنى الانتقال من المجال الوطني أو القومي إلى مجال الكوني . وهو تعريف يحتوي بداخله البعدين المكاني والزّماني.
فالبعد المكاني أو الجغرافي الذي اتسع مفهوم العولمة لاستيعابه هو الفضاء العلمي برمته.
أمّا التحديد الزّماني الذي تنطوي عليه العولمة فهو حقبة ما بعد الدولة القومية وهي الدولة التي أنجبها العصر الحديث إطارا كيانا لصناعة أهم وقائع التقدم الاقتصادي و الاجتماعي والثقافي.
وفي هذا الإطار يطرح د.بالقزيز تساؤلا تغلب عليه نبرة الاستنكار هل هو انتقال من بنى القبيلة والشعب والأمة التي صنّعت دول العصرين الوسيط والحديث وثقافتها وحضارتها إلى بنية إنسانية جديدة أشمل؟
وكما نلاحظ فإن أغلب التعريفات تؤكد على مبدأ وحدة العالم وزوال كل أشكال الحدود فيه سواءا الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية بما يعني أن وقائع العولمة يميل إلى نفي التعدد وهو ما يجعل من مفهوم العولمة مختلفا عن المفاهيم الأخرى سابقة وتبدو متشابهة مثل العلمية وهو مفهوم يشمل في ذاته معنى التعدد بما في ذلك معنى التعدد بما في ذلك حتى العالمية التي رفعتها الأديان السماوية شعارا لها فالعالمية -الإسلام مثلا- لم تكن نفسها في يوم من الأيّام بديلا عن التعدد…”إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”.. صدق الله العظيم.
ولعلّ هذا الميل الجارف الذي يقود العولمة إلى محو الحدود و الفواصل الثقافية و السياسية والاقتصادية وهو ما يكشف عن نزوع روّادها وقادتها من الدول والقوى المسيرة لها على الهيمنة وإخضاع كل القوى التي تبدو عاجزة على مواكبة هذه الظاهرة و امتلاك آليات اشتغالها ويعبر ذلك د. أحمد مجدي حجازي بقوله ” من المؤكد أنّها دعوة أو مسعى لنفي الحضارات الأخرى غير الغربية وأهم آليّاتها تقويض السيادة الوطنية في دول العالم الأقل تطوّرا إن لم يكن تقويض دعائم هذه الدول ذاتها لتسير مهمة الهيمنة الرأسمالية المعلومة وتوجيه الطابع القومي لشعوب العالم الثالث لتتواءم مع الحضارة الأورو / أمريكية “.
II- آليات اشتغال العولمة في المجالين الثقافي والإعلامي.
ما هي إذا مختلف أدوات وآليات عمل هذه الظاهرة وما هو مدى عدالة توزع هذه الأدوات والآليات بين شعوب الأرض على اعتبار أن عدالة – هذه – تعكس بالضرورة تكافؤ الفرص في ظل هذا النظام
























